مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

68

تفسير مقتنيات الدرر

لمّا ذكر في الآية السابقة أنّ الإيمان مستلزم للطاعة شرح في هذه الآية علائم المؤمنين بقوله : * ( [ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ] ) * أي إنّما يكون المؤمن مؤمنا إذا كان خائفا من اللَّه والخوف على قسمين : خوف العقاب وخوف العظمة والجلال أمّا خوف العقاب للعصاة وأمّا خوف الجلال فينبغي أن لا يزول عن قلب أحد من المخلوقين سواء كان ملكا مقرّبا أو نبيّا مرسلا لأنّ المحتاج إذا حضر عند الملك الغنيّ يهابه ويخافه * ( [ وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ] ) * ويفوّضون أمورهم إليه فيما يخافون ويرجون . فبعد أن تقرّر هذا امر بالتوطين على النفس في رعاية العمل من آثار العبوديّة والإيمان ورأس الطاعات الصلاة وبذل المال في مرضات اللَّه فقال : * ( [ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ] ) * في مرضات اللَّه . ثمّ أخبر سبحانه إخبار حقّ أنّ الموصوفين بهذه الصفات * ( [ لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ] ) * في الجنّة وقوله : لهم درجات يفيد أنّ سعادة أهل الإيمان في الجنّة متفاوتة كما أنّ درجات الإيمان متفاوتة والموصوف بهذه الآية من الكاملين في الإيمان فحينئذ كلمة الحصر في قوله لحصر كمال الإيمان لا لحصر وجوده فلا تدلّ الآية على أنّ من كان دونهم في المنزلة خارج عن الإيمان وأيضا إثبات هذه الصفات لا يلزم منه أن لا يكون عليه تكليف آخر من سائر الواجبات كالحجّ والجهاد . قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 5 إلى 6 ] كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ( 5 ) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( 6 ) أي حالهم هذه في كراهة ما حكم اللَّه في الأنفال مثل حالهم في كراهة خروجك من بيتك للحرب ولمّا حكم اللَّه في الأنفال في الآية بأنّها للرسول يصنع فيها ما يشاء امسك المسلمون عن الطلب وفي أنفس بعضهم شيء من الكراهة ، وحين خرج صلى اللَّه عليه وآله إلى قتال البدر كانوا كارهين لتلك المقاتلة فشرح اللَّه أنّ تلك الكراهة مثل خروجك من المدينة للقتال يوم بدر وهو قتال حقّ ، أو كما أنّ حكم الأنفال حقّ كذلك حكم القتال والخروج حقّ . روي أنّ عير قريش أقبلت من الشام والمراد بالعير القافلة الراجعة وفيها أموال التجارة للقريش وكان مع العير أربعون